الشيخ محمد رشيد رضا
34
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذكر اللّه تعالى افتتان الناس بتحويل القبلة ، وتقدم شرح ما دلت عليه الآيات من عظم أمر تلك الفتنة ، وإزالة شبه الفاتنين والمفتونين ، وإقامة الحجج على المشاغبين ، وحكم التحويل وفوائده للمؤمنين ، ومنها إتمام النعمة ، والبشارة بالاستيلاء على مكة ، وكون ذلك طريقا للهداية ، لما في الفتن من التمحيص الذي يتميز به المؤمن الصادق ، من المسلم المنافق ، فهي تظهر الثابت على الحق المطمئن به وتفضح المنافق المرائي فيه ، بما تظهر من زلزاله واضطرابه فيما لديه ، أو انقلابه ناكصا على عقبيه ، ثم شبه هذه النعمة التامة بالنعمة الكبرى وهي إرسال الرسول فيهم ، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، وفي ذلك من التثبيت في مقاومة الفتنة ، وتأكيد أمر القبلة ، ما يليق بتلك الحالة وقفى ذلك بالامر بذكره وشكره على هذه النعم للايذان بان تحويل القبلة الذي صوره السفهاء من الناس بصورة النقمة ، هو في نفسه أجل منة وأكبر نعمة لا جرم ان تلك النعم التي يجب ذكرها وشكرها للمنعم جل شأنه كانت تقرن بضروب من البلاء وأنواع من المصائب ، أكبرها ما يلاقيه أهل الحق من مقاومة الباطل وأحزابه ، وأصغرها ما لا يسلم منه أحد في ماله وأهله وأحبابه ، أليس من النسب القريب بين الكلام ، ومن كمال الارشاد في هذا المقام ، أن يرد بعد الأمر بالشكر ، أمر آخر بالصبر ، وأن يعد اللّه المؤمنين بالجزاء على هذا كما وعدهم بالجزاء على ذاك ؟ بلى ان هذه الآيات متصلة بما قبلها ، متممة للارشاد فيها ، وقد هدى سبحانه بلطفه إلى علاج الداء قبل بيانه ، فامر بالاستعانة على ما يلاقيه المؤمنون بالصبر والصلاة ، ووعد على ذلك بمعونته الإلهية ، ثم أشعرهم بما يلاقونه في سبيل الحق والدعوة إلى الدين والمدافعة عنه وعن أنفسهم . فهو سبحانه وتعالى يأمرهم بالصبر على ذلك كله ، لا ان الآية في الانقطاع إلى العبادة والصبر على الطاعة مطلقا بحيث يكون القاعد عن الجهاد بنفسه وماله ، أو السعي لعياله - اعتكافا في مسجد أو انزواء في خلوة - عاملا بها كان المؤمنون في قلة من العدد والعدد ، وكانت الأمم كلها مناوئة لهم ، فالمشركون أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم ، ويصدون الناس عنهم ، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم ما يلاقون من عداوة أهل الكتاب ومكرهم ، ومن راوغة المنافقين وكيدهم ، فأمرهم اللّه تعالى أن يستعينوا في مقاومة ذلك كله وفي